في السابع والعشرين من أكتوبر الماضي، وقف رئيس الاتحاد التركي لكرة القدم أمام الصحفيين ليعلن ما وصفه بـ “أزمة أخلاقية خطيرة”: 371 حكماً من أصل 571 – أي 65% – يملكون حسابات مراهنات على مباريات كرة القدم. حكم واحد فقط راهن على 18 ألف مباراة خلال خمس سنوات. في غضون أيام، أوقف الاتحاد 149 حكماً، وأصدرت المحكمة أحكاماً بالسجن على ستة منهم، قبل أن يتوسع التحقيق ليشمل أكثر من ألف لاعب ورؤساء أندية. لكن كيف وصلت واحدة من أكثر البطولات شعبية في العالم إلى هذا المستوى من الفساد؟ ولماذا الدوري التركي بالذات؟ وهل يمكن إنقاذ كرة القدم التركية بعد هذه الفضيحة؟ أنا سلوى لكرافل وهذه حلقة عن تركيا وكرة القدم وفضائح الحكام..
“غرفة العمليات” السرية: هاتف ذكي وضغطة واحدة
في إحدى أمسيات مدينة إسطنبول، كان زورباي كوتشوك، وهو حكم كرة قدم تركي معروف في الأربعين من العمر، جالساً في شقته يحمل هاتفه يتابع نتائج مباريات الدوري التركي. زورباي لم يكن يتابع أداء زملائه الحكام، بل كان يراهن على مبارياتهم التي كانوا يديرونها. على خانة “تأكيد” الموجودة على تطبيق المراهنات ضغط زورباي ضغطة موافقة ورهان، دون أن يُدرك أن تلك الضغطة ستغير حياته. لم تكن القصة لتبدأ داخل الملعب كما اعتاد الجمهور، بل في مكان هادئ لا يشبه ضجيج كرة القدم في شيء. زورباي كوتشوك، أحد الحكام الأتراك المعروفين في الدوري الممتاز، كان يقضي لياليه مراقباً المباريات من شاشة هاتفه ليس لتحليل الأداء، بل لمتابعة تقلبات نسب المراهنات لحظة بلحظة. هذا السلوك الذي ظل مخفياً لسنوات داخل تطبيقات مشفرة وحسابات لا تحمل اسماً حقيقياً، لم يكن مجرد انحراف فردي. فوراء هذه الرهانات كانت هناك شبكة كاملة من الحكام تتصرف كأنها تعمل خارج القانون بينما هي في قلب المنظومة نفسها.
بداية السقوط: بلاغ مجهول يتتبع “مسار المال”
لكن!! كيف اكتشف الاتحاد التركي القضية؟ بدأ كل شيء ببلاغ مجهول وصل إلى الاتحاد التركي لكرة القدم. لم يحمل البلاغ سوى معلومة واحدة وهي وجود تحويلات مالية غير طبيعية مرتبطة ببعض الحكام. ورغم أن الرسالة كانت غامضة ولا تحتوي على أسماء واضحة، فقد اعتبرها الاتحاد إشارة تستحق التحقق، خاصة في ظل تزايد الشكوك حول أداء بعض الحكام في مباريات الدوري. وبدأ التحقيق الأولي بسرعة. أول الخطوات كانت قيام جهة حكومية تركية بمراجعة الحسابات البنكية لعدد من الحكام الذين ارتبطت أسماؤهم بشكل غير مباشر بالبلاغ. خلال التدقيق ظهرت تحويلات مالية بمبالغ لا تتناسب إطلاقاً مع رواتبهم، بعضها وصل من حسابات خارجية مجهولة المصدر.
فخ التكنولوجيا: عندما تكشف التطبيقات ما أخفاه الحكام
انتقل الاتحاد إلى مرحلة أكثر حساسية: تحليل بيانات المراهنات الإلكترونية. باستخدام تعاون تقني مع منصات الرهان القانونية، تمكن المحققون من تتبع حسابات كانت مرتبطة بهواتف بعض الحكام، واكتشفوا أن عدداً منهم شارك في رهانات مُتكررة على مباريات في الدوري التركي نفسه. مع تعمق التحقيق ظهر رابط واضح بين بعض الحكام ووكلاء مراهنات كانوا يستخدمون تطبيقات مشفرة للتواصل وتنظيم الرهانات. هذا الترابط بين المال والحسابات المجهولة والمراهنات الإلكترونية، أعطى للاتحاد صورة أوضح عن حجم المشكلة. في النهاية، تم استدعاء الحكام المعنيين إلى لجنة الانضباط، حيث واجهوا أدلة رقمية شملت تحويلات، رسائل مشفرة وسجلات مراهنات. أسفر التحقيق الذي بدأ ببلاغ مجهول عن تحويلات مالية مشبوهة وروابط بين الحكام ووكلاء المراهنات عبر تطبيقات مشفرة عن نتائج صادمة.
زلزال الأرقام: جيش من الحكام في قبضة “القمار”
مع نهاية شهر أكتوبر من العام الجاري، تحرك الاتحاد التركي لكرة القدم بسرعة وأوقف عشرات الحكام. بينما صدرت أحكام بالسجن على ستة منهم. بعد أيام، اتسعت دائرة الفضيحة وبلغ صدى ما فجرته من معلومات خارج تركيا، حين ظهر رئيس الاتحاد التركي لكرة القدم أمام الصحافيين معلناً أن 371 حكماً من أصل 571 لديهم حسابات مسجلة على منصات المراهنات، بمن فيهم 22 حكماً على المستوى الوطني. رئيس الاتحاد التركي أشار خلال اللقاء إلى أن أحد الحكام وحده راهن أكثر من 18 ألف مرة، بينما راهن عشرة حكام آخرين على آلاف المباريات خلال خمس سنوات.
جذور الأزمة: تراكمات الفساد من 2011 إلى “فضيحة 2025”
لم تكن فضيحة المراهنات في 2025 حدثاً مفاجئاً في كرة القدم التركية، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة أزمات تمتد إلى أكثر من عقد. البداية تعود إلى 2011، عندما كشفت الشرطة التركية شبكة تلاعب طالت 19 مباراة وأدّت إلى اعتقال مسؤولين ومحاكمات كبرى. وبعدها بعامين، تم منع نادي فنربخشة من المشاركة أوروبياً. لاحقاً، ومع مرور 2017 و2020، تصاعدت احتجاجات الأندية على التحكيم، وتزايدت الأخطاء المثيرة للجدل، ثم جاءت حادثة اعتداء رئيس نادي أنقرة غوجو على حكم عام 2023 لتكشف هشاشة منظومة التحكيم. وفي خضم هذا الجدل، لم يتردد المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو، أحد أبرز الأسماء في عالم كرة القدم والمدرب السابق لنادي فنربخشة، في انتقاد التحكيم التركي علناً، مؤكداً أنه من بين أسوأ التحكيمات التي شاهدها في مسيرته؛ تصريح أثار ضجة، لكنه عكس شعوراً عاماً بأن المشكلة أعمق من مجرد أخطاء فردية. ومع تراكم كل هذه الأحداث، لم يكن غريباً أن تنفجر في عام 2025 فضيحة تُعد الأكبر على الإطلاق.
دوافع الجريمة: هل هو الفقر أم “هوس الأدرينالين”؟
أمام هذا الانهيار، يطرح الشارع الرياضي في تركيا السؤال الأهم: ما الذي يدفع حكماً للمقامرة بمستقبله؟ يشير مراقبون للشأن الرياضي التركي إلى عامل اقتصادي لا يمكن تجاهله؛ حيث تفتح الفروقات بين رواتب الحكام وتكاليف المعيشة الباب لتساؤلات حول ما إذا كان البعض قد وجد في المراهنات وسيلة لتعويض هذا النقص المادي. وعلى صعيد آخر، يرى خبراء علم النفس الرياضي أن الضغط النفسي الهائل والعزلة التي تفرضها طبيعة المهنة، وسط انتقادات إعلامية وجماهيرية لا ترحم، قد تدفع البعض للبحث عن مهرب نفسي، أو ما يسميه البعض “إدمان المخاطرة” خارج الملعب. لكن العامل الحاسم الذي أجمعت عليه التقارير هو غياب الرقابة الصارمة؛ فترك الوضع كما هو عليه لسنوات سمح بتحويل “الفضول الفردي” إلى “شبكة منظمة”، مما أدى في النهاية إلى انهيار جدار الثقة بين الجمهور وصافرة الحكم.
من بلاغ مجهول إلى زلزال هز أركان الكرة التركية.. تبقى القضية مفتوحة، ويبقى السؤال: هل يكفي العقاب لترميم الثقة؟ أم أن كرة القدم التركية بحاجة لإعادة بناء منظومتها الأخلاقية من الصفر؟

Leave a Reply