في صيف عام 1995، ووسط حرارة يوليوز الخانقة، تحول الفتى “نداد أفديتش” (17 عاما) إلى بطل من قلب المأساة في مدينة سربرنيتسا شرق البوسنة. فبعد سقوط المدينة وفشل محاولته للنجاة عبر “طريق الموت”، اقتيد مع مئات الأسرى إلى خنادق الإعدام. هناك، وحين انهمر الرصاص حاصدا الأرواح، سقط نداد جريحا لكنه تظاهر بالموت، محتميا بأجساد الضحايا وسط الدماء.
مع حلول الليل، زحف بجسده المنهك خارجا من حفرة الموت لينجو بأعجوبة، ويتحول لاحقا من ضحية صامتة إلى شاهد ناطق أمام محكمة لاهاي، مقدما قصته دليلا حيا على الإبادة الجماعية التي استهدفت مسلمي البوسنة، والتي صنفت كأسوأ مجزرة شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
أمام هذا المشهد، يبرز سؤالان: كيف تحولت المنطقة التي وعدت بالأمان إلى مقبرة جماعية مفتوحة؟ ولماذا وقفت أقوى منظمة في العالم مشلولة وسلمت الضحايا لجلاديهم؟
بداية الشرارة: انهيار يوغسلافيا
لم يكن انهيار يوغوسلافيا في بداية التسعينيات مجرد تفكك سياسي لنظام حكم، بل كان الشرارة التي أشعلت حروبا عرقية دامية بدأت في سلوفينيا وكرواتيا، قبل أن تبلغ ذروتها الوحشية في البوسنة والهرسك. بدأت القصة حين أعلنت “البوسنة والهرسك” استقلالها في أبريل 1992.
هنا انفجر الصراع بين “البوسنيين” أغلبية مسلمة تسعى لدولة مستقلة وبين “صرب البوسنة” أرثوذكس مدعومين من بلغراد يسعون لضم الأراضي لـ”صربيا الكبرى. في خضم هذا الصراع، كانت سربرنيتسا، تلك المدينة الصغيرة في شرق البوسنة المتاخمة للحدود الصربية، تمثل عائقا جغرافيا وسكانياً أمام حلم “الدولة الصربية النقية” الذي يقوده الزعيم الصربي رادوفان كاراديتش.
بداية الحرب الصربية البوسنية
في بداية الحرب أبريل – ماي 1992، شنت القوات الصربية هجوما كاسحا على مدن شرق البوسنة المحاذية لنهر درينا الحدود مع صربيا. سقطت هذه المدن بسرعة وتم تطهيرها عرقيا. لكن القوات البوسنية تمكنت بعد ذلك من استعادة السيطرة على مدينة سربرنيتسا من القوات الصربية. هذا الحدث جعل سربرنيتسا “المنطقة المحررة” الوحيدة تقريبا في وسط محيط كامل من السيطرة الصربية. بالنسبة للنازحين التائهين في الغابات والجبال، كانت سربرنيتسا تمثل “الجزيرة الآمنة الوحيدة” وسط طوفان الحرب، فلجأوا إليها تلقائيا.
حاصرت القوات الصربية المدينة وعزلتها عن العالم، فتدفق إليها عشرات الآلاف من ليتضخم عدد المحاصرين داخلها إلى ما يقارب 60 ألف نسمة. فتحولت من مركز اقتصادي إلى “سجن كبير” يعيش سكانه على المساعدات وتحت رحمة القناصة والقصف اليومي.
قرارات الأمم المتحدة: صناعة الضحية العاجزة
في مارس 1993، وحين كانت المدينة على وشك السقوط بيد الصرب، دخل الجنرال الفرنسي فيليب موريلون، قائد قوات الأمم المتحدة، إلى البلدة المحاصرة.حاصره آلاف اللاجئين ومنعوه من المغادرة، فصعد الجنرال إلى شرفة مكتب البريد وأطلق عبارته الشهيرة التي خلدها التاريخ كواحدة من أكبر الكذبات السياسية: “أنا باق هنا معكم.. لن أتخلى عنكم أبدا”.
هذا “الوعد العاطفي” المرتجل هو الذي أحرج المجتمع الدولي وأجبر مجلس الأمن على تحويل “الوعد الشفهي” إلى “قرار رسمي محولا سربرنيتسا من مدينة تحت الحرب إلى “سجن كبير” تحت ما وصف بوهم الحماية الدولية.
القرار 713: تجريد الضحية من السلاح:
في سياق استقلال البوسنة و الهرسك و بداية شرارة الحرب مع صرب البوسنة. فرض مجلس الأمن حظرا لتوريد السلاح، مما ترك البوسنيين عزلا بلا ترسانة عسكرية أمام آلة الحرب الصربية المتفوقة، مما جعل التطهير العرقي سهل او ممنهجا بحسب خبراء عسكريين.
القرار 819: وهم المنطقة الآمنة:
في عام 1993، وبدلا من وقف العدوان، أعلنت الأمم المتحدة سربرنيتسا “منطقة آمنة”. هذا القرار حول المدينة إلى “وعاء بشري”؛ إذ تدفق إليها عشرات الآلاف من اللاجئين ظنا منهم أنها محمية، ليصبحوا محاصرين تماما داخل جيب صغير، مكدسين وعاجزبن، في انتظار اللحظة التي يقرر فيها الصرب الانقضاض عليهم.
. لم يكن الإخفاق نظريا فقط، بل عملياتيا. إذ أرسلت الأمم المتحدة قوة حفظ سلام تعرف بـ “الكتيبة الهولندية” لحماية الجيب. لكن هذه الوحدة العسكرية كانت تعاني من نقص فادح في العدد والعتاد واللوجستيات، ومكبلة بقيود صارمة لقواعد الاشتباك تمنعها من استخدام القوة إلا للدفاع عن النفس. هذا الضعف التقطه الجنرال الصربي راتكو مالاديتش بذكاء، حيث أدرك أن القوة الأممية مجرد “رمز ضعيف” مُجرد من الإرادة السياسية، مما شجعه على تحويل المنطقة الآمنة إلى نقطة تجميع للضحايا لتسهيل المذبحة
يوليوز 1995: مناطق “آمنة” تحولت إلى مصيدة موت
في يوليوز 1995، حين شنت القوات الصربية بقيادة راتكو مالاديتش هجوما عنيفا تحت مسمى “عملية كريفيا 95”. في تلك الساعات، طلبت الكتيبة الهولندية الدعم الجوي من “الناتو”، لكن الرد تأخر بسبب حسابات سياسية وتردد في القيادة، ما أدى لإلغاء الردع تماما وتأكد الصرب من التخلي الدولي عن الجيب، فسقطت المدينة بعد 5 أيام فقط من الهجوم.
وفي مشهد سريالي وثقته الكاميرات، شرب الجنرال الصربي نخب الانتصار مع قائد القوات الهولندية، بينما كانت الحافلات تجهز في الخارج لفصل الرجال عن النساء. امتد هذا الاستسلام إلى مجمع “بوتوتشاري” الأممي، حيث احتمى نحو 5 آلاف مدني بالجنود الهولنديين، لكن تحت التهديد واحتجاز الرهائن، سمحت الكتيبة للقوات الصربية بدخول المجمع واقتياد المدنيين أمام أنظارها إلى حفر الإعدام. لقد سلمت الأمم المتحدة “المفتاح” للقاتل، وفتحت البوابات ليشهد العالم بثا حيا للإبادة.
ولم يتحرك العالم إلا بعد فوات الأوان، وتحديدا في أواخر أغسطس 1995، بعد قصف سوق “ماركالي” الذي أودى بحياة 37 شخصا؛ حيث انطلقت عملية “القوة المتعمدة” الجوية، التي أجبرت القوات الصربية أخيرا على الانسحاب والجلوس إلى طاولة المفاوضات لتوقيع اتفاقية دايتون.
لماذا فشل العالم؟ (بيروقراطية الموت)
يجمع فقهاء القانون الدولي على أن مأساة سربرنيتسا لم تكن حدثا معزولا، بل ذروة لسلسلة من الإخفاقات الهيكلية في النظام الدولي. فمن الناحية القانونية، رسخ هذا الحدث مبدأ المحاسبة، إذ أصدرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY) أحكاما تاريخية أدانت القادة المسؤولين، وعلى رأسهم رادوفان كاراديتش وراتكو مالاديتش. وفي هذا السياق، يؤكد السير جيفري نايس، المدعي العام السابق في المحكمة، أن “العدالة الدولية، وإن نجحت في معاقبة الأفراد، فإنها تظل قاصرة ما لم تكشف القصة الكاملة للتخاذل”.
ومن منظور قانوني مستقل وأكثر حدة، يرى البروفيسور فرانسيس بويل، أستاذ القانون الدولي الذي مثل البوسنة، أن مسؤولية المجتمع الدولي تتجاوز “الفشل” لتصل إلى “التواطؤ القانوني”، معتبرا أن حظر التوريد (القرار 713) جرد الضحية من حق الدفاع عن النفس.
سياقات الفشل المتكرر: من رواندا إلى العراق
لا يمكن قراءة فشل سربرنيتسا بمعزل عن سياقات سابقة ولاحقة، أبرزها الإبادة الجماعية في رواندا (1994)، حيث سحبت الأمم المتحدة معظم قواتها (UNAMIR) بدلا من تعزيزها، تاركة التوتسي لمصيرهم، وهو ما اعتبره القانونيون “تخليا عن الواجب” رغم التحذيرات المبكرة. كما يبرز النموذج العراقي لاحقا، وتحديدا في برنامج “النفط مقابل الغذاء”، كدليل على الفساد الإداري والفشل في حماية السكان من العقوبات الشاملة التي أضرت بالمدنيين أكثر من النظام، مما عزز الشكوك حول الكفاءة الأخلاقية للمنظمة.
وفي تعليقه على هذا النمط المتكرر، يقول البروفيسور ريتشارد فولك، أستاذ القانون الدولي الفخري بجامعة برينستون والمقرر الخاص السابق للأمم المتحدة: “إن خطيئة الأمم المتحدة الكبرى في رواندا وسربرنيتسا، ولاحقا إخفاقاتها في العراق، لا تكمن في ضعف الإمكانات، بل في ‘الشلل الجيوسياسي’؛ حيث يتحول القانون الدولي من أداة لحماية الشعوب إلى ورقة مساومة بين القوى العظمى في مجلس الأمن، مما يجعل المنظمة شريكا سلبيا في المآسي بدلا من أن تكون حارسا للسلم”.
صحوة متأخرة
تظل سربرنيتسا درسا مكتوبا بالدم يذكرنا بحقيقة قاسية: عندما تتحول المؤسسات الدولية إلى بيروقراطية باردة تعامل الضحية والجلاد بحياد، فإن النتيجة الحتمية هي الإبادة. اعتراف كوفي عنان بـ “الفشل المنهجي” لم يكن مجرد نقد للذات، بل كان إدانة لنظام عالمي يملك القدرة على الحماية لكنه يفتقد الإرادة.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كل ناج من تلك المجزرة اليوم: هل استوعب العالم الدرس وطور آليات حقيقية لـ “المسؤولية عن الحماية”، أم أننا سنشهد سربرنيتسا أخرى في مكان آخر، ونكتفي مجددا بعبارات الأسف والقلق؟.

Leave a Reply